أحمد بن محمد القسطلاني
352
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
قبلت ) جازت ، واشترط الشافعية الإيجاب والقبول فيها كسائر التمليكات بخلاف صحة الإبراء والعتق والطلاق بلا قبول لأنها إسقاط ، ويستثنى من اعتبار ذلك الهبة الضمنية كان قال لغيره : أعتق عبدك عني ففعل فإنه يدخل في ملكه هبة ويعتق عنه ولا يشترط القبول ولا يشترط الإيجاب والقبول في الهدية والصدقة ولو في غير المطعوم ، بل يكفي البعث من المملك والقبض من التملك كما جرى عليه الناس في الإعصار ، ولهذا كانوا يبعثونهما على أيدي الصبيان الذين لا تصح عقولهم . فإن قيل : كان هذا إباحة لا هدية أجيب : بأنه لو كان إباحة ما تصرفوا فيه تصرف الملاك ومعلوم أنه ليس كذلك . 2600 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هَلَكْتُ ، فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ . قَالَ : أتَجِدُ رَقَبَةً ؟ قَالَ : لاَ . قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لاَ . قَالَ : فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لاَ . قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِعَرَقٍ - وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ - فِيهِ تَمْرٌ ، فَقَالَ : اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ . قَالَ : عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا . ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ " . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن محبوب ) أبو عبد الله البصري البناني قال : ( حدّثنا عبد الواحد ) بن زياد قال : ( حدّثنا معمر ) هو ابن راشد ( عن الزهري ) محمد بن مسلم ( عن حميد بن عبد الرحمن ) بن عوف الزهري المدني ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ) أنه ( قال : جاء رجل ) سلمة بن صخر أو سلمان بن صخر أو أعرابي ( إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : هلكت ) فعلت ما هو سبب لهلاكي ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( وما ذاك ) ولأحمد : وما الذي أهلكك ؟ ( قال : وقعت بأهلي ) أي وطئت امرأتي ( في رمضان ) نهارًا ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( تجد ) ولأبي ذر : أتجد ( رقبة ) المراد الوجود الشرعي ليدخل فيه القدرة بالشراء ونحوه ويخرج عنه مالك الرقبة المحتاج إليها بطريق شرعي ( قال ) الرجل : ( لا ) أجد رقبة ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( فهل تستطبع أن تصوم شهرين متتابعين ) ؟ ( قال ) الرجل : ( لا ) أستطيع ذلك ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( فتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا ) ( قال ) الرجل ( لا ) أستطيع ( قال : فجاء رجل من الأنصار ) قال في مقدمة فتح الباري : لم يسمِّ وإن صحّ أن المحترق سلمة بن صخر فالرجل هو فروة بن عمرو البياضي ( بعرق ) بفتح العين والراء المهملتين قال أبو هريرة أو الزهري أو غيره ( والعرق المكتل ) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثناة الفوقية وهو الزنبيل ( فيه تمر ) زاد ابن أبي حفصة عند أحمد فيه خمسة عشر صاعًا . وعند ابن خزيمة من حديث عائشة فأتى بعرق فيه عشرون صاعًا . وعند مسدد من مرسل عطاء فأمر له ببعضه وهو يجمع بين الروايات فمن قال : عشرون أراد أصل ما كان فيه ومن قال : خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة ( قال ) عليه الصلاة والسلام ( اذهب بهذا ) العرق ( فتصدق به ) بالجزم على الأمر ( فقال ) الرجل أتصدق به ( على ) ناس ( أحوج منّا يا رسول الله و ) الله ( الذي بعثك بالحق ما بين لابتيها ) بغير همزة أي حرّتي المدينة المكتنفتين بها ( أهل بيت أحوج منّا . قال ) عليه الصلاة والسلام ، ولأبوي ذر والوقت : ثم قال : ( اذهب فأطعمه أهلك ) من تلزمك نفقته أو زوجتك وكان من مال الصدقة والكفارة باقية في ذمته كما سبق تقريره في الصيام قال في الفتح : والغرض منه هنا أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى الرجل التمر فقبضه ولم يقل قبلت ثم قال : اذهب فأطعمه أهلك ولمن اشترط القبول أن يجيب عن هذا بأنها واقعة عين فلا حجة فيها ولم يصرّح فيها بذكر القبول ولا بنفيه . 21 - باب إِذَا وَهَبَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ قَالَ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ : هُوَ جَائِزٌ . وَوَهَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ - لِرَجُلٍ دَيْنَهُ . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ » . فَقَالَ جَابِرٌ : " قُتِلَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُرَمَاءَهُ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي ، وَيُحَلِّلُوا أَبِي " . هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا وهب ) رجل ( دينًا ) له ( على رجل ) لآخر أو لمن هو عليه ( قال شعبة ) بن الحجاج فيما وصله ابن أبي شيبة : ( عن الحكم ) بفتحتين ابن عتيبة ( هو ) أي فعل هبة الدين لمن هو عليه ( جائز ووهب الحسن بن علي ) أي ابن أبي طالب ( عليهما السلام لرجل ) له عليه دين ( دينه ) قال الحافظ ابن حجر : لم أقف على من وصله ولم يسم الرجل . ( وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فيما وصله مسدد في مسنده من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا ( من كان له ) أي لأحد ( عليه حق فليعطه ) إياه ( أو ليتحلله منه ) . بالجزم على الأمر والضمير في منه لصاحب الحق . قال الحافظ ابن حجر : وجه الدلالة منه لجواز هبة الدين أنه من سوّى بين أن يعطيه إياه أو يحلله منه ولم يشترط في التحليل قبضًا ( فقال ) بالفاء وفي نسخة وقال : بالواو ( جابر : قتل أبي ) هو عبد الله